دقة الأخبار
آراء ومقالات الأخبار

على هامش الصراع القبلي الوهمي في موريتانيا !! …/أحمدو أحمدسالم

على هامش الصراع القبلي الوهمي في موريتانيا !! …

بعد أكثر من ستين عاما من الاستقلال ، و ما يزيد على مائة سنة من دخول المستعمر ، لا يزال المجتمع الموريتاني يراوح مكانه، بين مطرقة التنافس الفبلي، و سندان المظالم التاريخية الشرائحية، التي تغذيها الفوارق الإقتصادية الكبيرة ، والتي خلقت فجوة إجتماعية ، تتسع يوما بعد يوم.
و مع خمود مطالب المنظمات الحقوقية ذات الطابع السياسي ، تبرز للعلن صراعات اجتماعية وهمية، تعيش في الغالب على طفيليات التنابز اليومي بين المثقفين. على مواقع التواصل الإجتماعي و عبر المنابر و الفضاءات الثقافيةً ، مسلحين بكل أدوات الثناء الذاتي و المدح اللامحدود ، و الفخر الجاهلي، المتكئ على وسائد من الأمجاد الغابرة( شرف القبيلة و نخوتها و بطولاتها التاريخية ، و أمجادها المخلدة في الكتب و المرويات الشعبية)
لا يعرف أغلب الفبليين بأن ما يسمونه بالقبيلة ليست وحدة عرقية أو جغرافية يجمعها الجد الجامع ، بل هي مجموعات سكانية اندمجت فيما بينها و انصهرت في قالب اجتماعي، لا يربطه أساسا إلا رابط الحمية و العصبية .
و يجد الدارس لتاريخ موريتانيا أن الأصول القبلية غير ثابتة، و ليست واضحة المعالم ، كما يتصورها البعض، فتجد مثلا بعض العشائر هاجرت إلى مناطق في الشرق أو الغرب و اندمجت. فيها ، وربما أصبحت لها القيادة الفعلية في قبائلها الجديدة .
وهذا الوضع يحيلنا إلى أن المجتمع الموريتاني الحالي هو نتاج لهجرات في العصر القديم و الوسيط ، و حتى في التاريخ المعاصر ، و أنه من الصعب الحديث عن نقاء عرقي أو قبلي خالص، لأن اندماج هذه العناصر البشرية المكونة للمجتمع الموريتاني حدث خلال فترات تاريخية عديدة.
يعتقد البعض أن التقسيمات الحالية للمجتمع الموريتاني حدثت بعد انتهاء حرب شرببه في الثلث الأخير من القرن السابع عشر ، لكنها تقسيمات أكثر قدما حتى من التقسيمات التي يرجعها بعض المؤرخين إلى الدولة المرابطية ، و لأن طبيعة المجتمعات الصحراوية في المجمل طبيعة تراتبية ، و نجد ذلك في صحراء الجزائر و شمال مالي و لدى القبائل العربية في تشاد
و النيجر و ليبيا ، وربما تأثرت هذه الأقاليم بالتراتبية الإجتماعية في بلدان شمال افريقيا ، لكن حدتها بقيت أقوى في مجتمعات الصحراء بسبب الصراعات البينية على الأرض و الانتجاع و غياب الثقافة المدنية ، و حداثة العهد بالبادية ، عكس القبائل الأخرى في البلدان المجاورة التي عرفت المدنية و قيام الحضارات في وقت مبكر
(الحضارة الرومانية و الفينيقية و العربية ..)
و إذا تفحصنا جيدا التراتبية الإجتماعية في موريتانيا ، فسنجد أنهم يقسمون المجتمع إلى طائفتين كبيرتين ( بنو حسان و الزوايا)
الأولى تمتاز بحمل السلاح و الشجاعة و الثانية ميزتها الأساسية العلم و التدريس و “الصلاح” الذي يقتصر على الزاوي. دون غيره في المنظور الشعبي ، رغم اختلاف ذلك عن الرأي الديني الذي وصف الصالحين في القران الكريم ، و بين أماراتهم و صفاتهم بشكل مفصل، و تحتكر الطائفة الأولى مفهوم الشجاعة ،بل تسخر من من يدعي الشجاعة ، و كأنها قيست على طائفة معينة، و عكس ذلك أن طائفة كبيرة من المقاتلين في النطاق الأميري، هم جماعة من لحراطين أو الأحلاف ،و الذين تصفهم الطاىفتان الرئيسيتان بأوصاف ، هي في الغالب أوصاف قدحية، كالبخل و الجبن و كثرة النوم و الكسل و الشره….الخ
و توجد أغلب الطبقات الأخرى في أسفل الترتيب الاجتماعي بسبب الوظيفة ، فالمجتمعات البدوية تحتقر أصحاب الحرف من الصناع التقليديين ورعاة الماشية ، و العاملين في حراثة الارض، مما شجع على الكسل و الإتكالية.
فقد كانت المجتمعات البدوية القديمة تنظر إلى المرأة الكسولة نظرة احترام و تقدير ، بينما ينطر الى العاملة بكثير من الإزدراء.

هذه التقسيمات و التراتبية موجودة في كل المجتمعات الموريتانية بما فيها السوننكي و البولار و الوولوف ، لكن بدرجات أقل ، لأنها مجتمعات منتجة و عاملة في الأساس.
فالتقسيم الوظيفي لا يؤثر من قيمة الشخص. إلا من خلال النواحي الإجتماعية الضيقة كالزواج مثلا.
مع موجات الجفاف المتلاحقة ( سنوات 69,73,77,83) شهد المجتمع الموريتاني تحولات اقتصادية و اجتماعية كبيرة منها : النزوح إلى المدن الكبرى : نواكشوط و انواذيبو و ازويرات ، و تشكل طبقة عاملة جديدة ،ذات خلفيات اجتماعية متباينة، انصهرت في نظام تعليمي جمهوري ، ساعدها على التخلي بشكل تدريجي عن المفاهيم الانطوائية القديمة للعلاقات بين الأفراد ذات الطابع تلاستعلائي الطبقي، و استمر الوضع من منتصف الستينات حتى بداية الألفية ، حيث أحيى نظام الرئيس السابق معاوية ول سيد أحمد ول الطائع مفهوم القبيلة و الجهة ، لأسباب انتخابية – سياسية بحته، فقرب شيوخ القبائل و منحهم امتيازات، و خلق فجوة بين الجهات لكسب مزيد من الأصوات ، على حساب مستقبل الدولة المدنية , التي أصبح انقاذها مستحيلا ، في ظل ازدياد نفوذ القبيلة .
هذا الأسلوب سار عليه الرؤساء من بعده ،لأنهم يدركون خطورة محو الفوارق الاجتماعية و عدم الاعتماد على القبيلة في مستقبلهم السياسي ، رغم محاولات البعض التخلص من هذه الأصنام ، لكنهم يعودون في كل مرة .
أهمية القبيلة في تغيير الوضع السياسي البلد من خلال استخدامها في الانتخابات ، خلق جيلا جديدا من المثقفين القبليين، بعضهم يمتلك ثقافة محدودة و خبرة ضئيلة في ميدان تخصصه الفني ، مما يجعله راضخا و خاضعا لابتزاز أسياده القبليين من أصحاب النفوذ ، فهؤلاء لا دور لهم الا اختلاق صراعات قبلية وهمية، يبرزون أنفسهم كمدافعين عن المجد ، و حماة له ، يقيمون الولائم و يستنهضون الملاحم القديمة .
إن استمرار المجتمع في التردي القبلي و الجهوي المقيت، سبعزز الانقسام ، و يؤدي بنا إلى إعاد صناعة أجيال قبلية جديدة ، متسلحة بأفكار “ماضوية ” متخلفة في العصر الحاضر .
فلا يمكن لمثقف يدعي التقدمية العيش في جلباب القبيلة و الانسياق وراء النعرات ،في زمن تقاس فيه الشعوب بمدى تقدمها الاقتصادي و تطورها الإجتماعي، و ليس بملاحمها و تاريخها و صراعاتها الوهميه.

لقد كان من المفترض اندثار الأفكار الرجعية ، و اعتبارها بائدة في العصر الحالي ، بسبب طغيان العالم المادي، و التخلي عن بعض العادات الاجتماعية الموروثة منذ القدم، إلا أن الجانب المعنوي لدى القبليين الموسوم بقداسة و هيبة افتراضية ، أعادت إلى الأذهان تلك الرواسب و كرستها في نفوس العامة.
فهل سيبقى المجتمع الموريتاني في دوامة “القهر القبلي” الكلاسيكي، أم أن بوادر نهضة مجتمعية جديدة ثائرة على التابوهات تلوح في الأفق.

روابط ذات صلة

إصابة ٢٠ جنديا من القوات الأممية في مالي يجروح في هجوم لمسلحين وسط البلاد

ahmedou bewbe

السينغال تستفيد من خدمة تعليق الدين العام باكثر من 90 مليار فرنك

ahmedou bewbe

الشرطة الوطنية تلقي القبض على قتلة ول الشبباني

ahmedou bewbe